مجالسُ الأنسِ
كتبهامحمد تمار ، في 14 يناير 2012 الساعة: 20:05 م
مجالس الأنس
هذا عمل أدبيّ عنونتهُ ب"مجالس الأنسِ"
جمعتُ فيهِ بينَ أحداثِ القصّةِ ومرحِ المقامةِ طارقًا فيهِ مختلفَ فنونِ الأدبِ من شعرٍ وأمثالٍ وحكمٍ..ليكونَ سهلَ المنالِ مرجوَّ الفائدةِ غيرَ متقيّدٍ في سردِ الوقائع ولقاءِ الأبطال بالتسلسلِ التاريخي محاولاً الربطَ بين الماضي والحاضرِ والقديمِ والحديثِ مستعملاً في ذلك الخيالَ والتصوّرَ محاولاً الإبداعَ حيناً ومقتبساً من أمّهاتِ كتبِ الأدبِ العربي أحياناً راجيا أن يجد فيه القارئ الكريم ما ينفعه ويمتعه..
فأسألُ اللهَ تعالى التوفيقَ والسّدادَ إنّهُ حسبي ونعمَ الوكيل..
المجلس الأول:
حدّثنَا جُوَيشِعُ الخوّارُ قال: خرجتُ ذاتَ يومٍ على بعيري أقصدُ الكوفةَ ،
حتّى إذا كنتُ بمفازةٍ ليسَ فيها أثرٌ لبشرٍ ، أبصرتُ شخصًا هو للجنِّ أقربُ
منهُ للإنسِ . ضخمَ الرّأسِ ، عريضَ الصّدرِ، رقيقَ السّاقينِ ، فقلتُ : أعوذُ
بكلماتِ الله التامّاتِ من شرِّ ما خلقَ ، لا حولَ ولا قوّةَ إلاّ بالله العليِّ العظيمِ حسبيَ الله ونعمَ الوكيلُ .
وغشيَني عرقٌ شديدٌ وأصابتني رجفةٌ . ثمّ ناديتهُ من بعيدٍ أإنسيٌّ أم جِنّيٌ ؟؟!!
فقال: قبّحَ الله وجهَك أيّها الخوّارُ ، ألمْ يجعلِ اللهُ لك عينينِ تميّزُ بهما ؟؟
فقلتً في نفسي: أبشرْ بدنوّ أجلكَ يا جُويشِعُ ، لقد نطقَ باسمِكَ دون سابقِ
معرفةٍ . إنّهُ جنّيٌٌ وربِّ الكعبةِ..ثمّ حاولتُ التخلّصَ من مخاوِفي وسألتهُ :
من أنت ومن أيِّ قبائلِ العربِ ؟؟..
قال : شُوّاظُ بنُ جمرٍ ، من قبيلةِ سقرَ..
قلتُ : أعوذُ بالله من الشيطانِ الرّجيمِ..إسمٌ على مسمّىً..
قال : بماذا تُتمتمُ ؟؟
قلتُ : أخٌ كريمٌ وابنُ أخٍ كريمِ..
ففغرَ فاهُ عن أسنانٍ كأنّها رؤوسُ الشياطينِ ثمّ قال: ومن أنت؟؟
قلتُ : أنا البطلُ الكرّارُ والفارسُ المغوارُ ، صاحبُ السيفِ البتّارِ ،
أنا جُويشعُ الخوّارُ .
فقهقهَ ساخراً منّي بصوتٍ اضطربَ منه بعيري . فكأنَّ ضحكاتهِ المتدَحرِجةِ من فيهِ نهيقُ حمارٍ في نفقٍ مُظلمٍ .
ثمّ قال : وإلى أينَ تتوجّهُ يا جُويشعُ ؟؟
قلتُ : الى الكوفة .
قال : فهل لك في الصّحبةِ..
فرضيتُ بصُحبتهِ فرقاً منه لا حُبّاً فيهِ .وسرنَا قليلاً فعنّتْ لنا ظباءٌ
فقال: أيُّ هذهِ الظّباءِ أحبُّ إليكَ ، المُتقدّمُ منها أم المُتأخّرُ ؟؟
قلتُ: المتقدّمُ . فأخرجَ من كنانتهِ سهماَ كأنّهُ لسانُ كلبٍ ، ثمّ رماهُ فما
أخطأهُ . فاشتوَينا وأكلناَ ، فاغتبَطتُ بصُحبتهِ .
ثمّ عنّ لنا سربٌ من القطاَ فقال: أيُّها تريدُ فأصرعهَا لك ؟؟ فأشرتُ الى
واحدةٍ فرماهاَ فما أخطأها . فاشتوينَا وأكلناَ . ثمّ أخرجَ من كنانتهِ سهماً
كأنّ رأسهُ رأسُ حيّةٍ وانتصبَ قائماً وقال: من أيِّ موضعٍ في جسدِكَ تُحبُّ
أن ينفُذَ هذا السّهمُ ؟؟
قلتُ : والله لا أحبُّ أن أُخدشَ في جسدي مقابلَ الدنيا وما فيها.
قال: لا بدّ منهُ.
قلتُ: اتّقِ اللهَ واحفظْ زمامَ الصّحبةٍ.
قال: لا بدّ منهُ.
قلتُ: خذْ بعيري وزادي واستبقنِي .
قال: لا بدّ منهُ.
قلتُ: فأمهلني حتى أُفكّرَ.
قال: لك ذلك…
فانزويتُ عنهُ ورُحتُ أحدّثُ نفسي . فانتهى بيَ التفكيرُ الى اختيارِ رأسي
لما يتميّزُ بهِ من صلابةِ عظمِهِ. ثمّ عدلتُ عن ذلك وقلتُ:
لئنْ خرمَ السهمُ رأسي كانت إحدى الطّامتينِ الموتُ أو الجنونُ . فاخترتُ
بعد ذلكَ بطني ، ثمّ عدلتُ عن ذلك وقلتُ : كيفَ بك يا جُويشعُ إذا بُقرَ بطنُك وخرجتْ منه أمعاؤُك وكادَ أن يُغمى عليَّ . ثمّ اهتديتُ أخيراَ الى ساقي فالساقُ أهونُ وعظمُها أمتنُ ، لكنّي تذكّرتُ حالَ الأعرجِ الذي لا يستطيعُ قضاءَ حاجتهِ ، فأطرقتُ يائساً من سبيلِ الخروجِ من المأزقِ الذي وقعتُ فيهِ.
ولم أنتبهْ إلآّ على وقعِ صوتهِ المُزعجِ : أيُّ عضوٍ هانَ عليكَ يا خوّارُ؟؟
قلتُ : ليسَ ذاكَ ما يُشغلني يا صديقي..
..!!قال : فماذا يُشغلكَ إذاً ؟؟
قلتُ : فكّرتُ في حالكَ بعدي فخشيتُ أن يُصيبكَ ما أصابَ الرجلَ الذي غدرَ بالتّاجرِ بعدَ إذ أنجاهُ من الموتِ الأكيدِ.
قال : وكيفَ كانَ ذلكَ ؟؟
قلتُ : إنّ العاقلَ لا ينبغي لهُ أنْ يصطفيَ أحدًا ولا يستخلصهُ إلاّ بعدَ الخبرةِ
والتجربةِ . فإنَّ منْ أقدمَ على مشهورِ العدالةِ من غيرِ اختبارٍ وتمحيصٍ فبسطَ لهُ وُدّهُ وأفشاهَ سرَّهُ ، كانَ مُخاطراً في ذلكَ ومُشرفًا منهُ على هلاكٍ
أو فسادٍ وإليكَ مثالُ ذلكَ :
زعمُوا أنَّ تاجرًا غنيّاَ مرَّ في أحدِ أسفارهِ برجلٍ قد أشرفَ على الهلاكِ بسببِ الظمإِ . فسقاهُ وأطعمهُ وأنسَ بصحبتهِ . فحدّثهُ عن تجارتهِ وما بسطَ
اللهُ عليهِ منَ النّعمةِ والرّزقِ . فلمّا سمعَ الرّجلُ ذلكَ وبصرَ بالمالِ والجواهرِ، لعبَ الشيطانُ بأمِّ رأسهِ وحدّثتهُ نفسهُ بالغدرِ، فانتظرهُ حتى نامَ
وطعنهُ بخنجرٍ فقتلهُ . ثمّ أخذَ ما كانَ معهُ وانطلقَ في الفلاةِ حتى أدركهُ الليلُ فنامَ .
وكانَ في الزّادِ الذي احتملهُ قطعةُ لحمٍ ، وصادفَ أن كانَ بالقربِ منَ مكانهِ حيّةٌ في جحرٍ ، فوجدتِ الحيةُ ريحَ اللحمِ فخرجت تطلبهُ .
فلمّا استيقظَ الرجلُ مدَّ يدهُ لتناوُلِ اللحمِ فلدغتهً الحيّةُ فماتَ .
قال جُويشعُ : كلّ هذا وشوّاظُ لم يزلْ قائماً منتصبًا كالوتدِ فقلتُ لهُ :
وأنا أخشى عليكَ أنْ يُصيبكَ ما أصابَ هذا الرجلَ .
قال : هيهاتَ هيهاتَ ، فما أبعدَ هذا عن ذلكَ .
قلتُ : كيف ؟؟
قال : ذاكَ رجلٌ أنجاهُ صاحبهُ من الموتِ المحتومِ وأحسنَ إليهِ إذ قاسمهُ طعامهُ ، فغدرَ بهِ فكانَ حريّاً أن يصيبهُ ما أصابهُ . أمّا عنّا نحنُ ، فأنا الذي أطعمتُك ممّا تشتهي وأمّنتُك ممّا تخافُ ، فإنْ كانَ فضلٌ فهو لي عليكَ وليسَ العكسُ .
قلتُ : فاستبقني ولا تتعجّلْ في أمركَ ، عسى أنْ أنفعكَ فإنَّ في العجلةِ النّدامةَ وفي التأنّي السلامةَ .
وقد قال الحكماءُ : العجلُ بريدُ الزّللِ .
وقديماً قال الشاعرُ :
قد يُدركُ المتأنّي بعضَ حاجتهِ
وقد يكونُ مع المستعجلِ الزّللُ
قال : كلُّ هذا لا ينفعُكَ ، فإنّي قد علمتُ أنَّ من ظفرَ بالسّاعةِ التي ينجحُ فيها عملهُ
ثمّ لا يُعاجلهُ بالذي ينبغي لهُ فليسَ بحكيمٍ .
ومنْ طلبَ الأمرَ الجسيمَ فأمكنهُ ذلكَ فأغفلهُ فاتهُ الأمرُ وهو خليقٌ ألاَّ تعودَ لهُ الفرصةُ ثانيةً
ومنِ وجدَ عدوّهُ ضعيفاَ ، ولمْ يُنجزْ قتلهُ ندمَ إذا استقوى ولمْ يقدرْ عليهِ .
وقدِ اتّخذتكَ عدوّاً فعجّلْ باختيارِ الموضع وإلاَّ فقأتُ عينكَ بهذا السهم .
فقلتُ في نفسي : هذا ما جنيتهُ على نفسكَ يا جُويشعُ ، فقد علمتَ أنَّ منْ صحبَ الأشرارَ
وهو يعلمُ حالهمْ كانَ أذاهُ من نفسهِ . وإنَّ من الحزمِ سوءَ الظنِّ
بمجهولِ السيرةِ والنّسبِ حتى يُتثبّتَ منهُ ، والكيّسُ من انتفعَ بظنّهِ قبلَ يقينهِ .
فقد قال عمر بن الخطّاب (ر) : منْ لمْ ينفعهُ ظنّهُ لمْ ينفعهُ يقينهُ .
وقد سئلَ عمرو بنُ العاصِ (ر) عن العقلِ فقال : الإصابةُ بالظنِّ ومعرفةُ ما يكونُ
بما قد كانَ. وإنّهُ لا ينبغي للعاقلِ أنْ يتعجّلَ في اختيارِ الصّاحبِ فقدْ يُعجبكَ من مرءٍ
حلوُ مقالهِ ، وظاهرُ أفعالهِ ، حتى إذا سبرتَ أغوارهُ وكشفتَ أسرارهُ ، وجدتهُ خبيثَ
المخبإِ يتظاهرُ لك بالودِّ وهو منْ ألدِّ أعدائكَ .
فلاَ تغرركَ من مرءٍ وعودٌ
فعندَ الطّعنِ تُختبرُ الحرابُ
وقد تسيءُ الظنَّ بالرجلِ الضعيفِ الذي لا يؤبهُ لهُ حتى إذا ما بلوتهُ وجدتَ
فيهِ ضالّتكَ قال الشاعرُ :
ترى الرجل النحيفَ فتزدريهِ *** وفي أثوابهِ أسدٌ هصورُ
ويُعجبكَ الطّريرُ فتبتليهِ *** فيخلفُ ظنّكَ الرجلُ الطريرُ
والعاقلُ هو الذي يحتالُ للأمرِ قبلَ تمامهِ ووقوعهِ .
فالرّجالُ ثلاثةٌ : حازمٌ وأحزمُ منهُ وعاجزٌ . فأحدُ الحازمينِ من إذا نزلَ بهِ الأمرُ لم يدهشْ
لهُ ، ولم يذهبْ قلبهُ شَعاعاً ، ولم تعيَ بهِ حيلتهُ ومكيدتهُ التي يرجو بها المخرجَ منهُ .
وأحزمُ منهُ المتقدّمُ ذو العدّةِ الذي يعرفُ الابتلاءَ قبلَ وُقوعهِ ، فيُعظمهُ
إعظاماً ، ويحتالُ لهُ كأنّهُ قد لزمهُ فيَحسمُ الدّاءَ قبلَ أنْ يُبتلى بهِ ، ويدفعُ
الأمرَ قبلَ وُقوعهِ ، وأمّا العاجزُ فهو في تردّدٍ وتوانٍ حتى يهلكَ .
وأنت يا جُويشعُ تربأُ بنفسكَ أن تكونَ الثالثَ . فلمْ يبقَ لكَ أمامَ هذا الخطرِ القائمِ سوى أحدِ
المخرجينِ ، القتالُ أو الاحتيالُ .
فأمّا القتالُ فقدْ علمتَ أنّهُ لا سبيلَ للمرءِ الى قتالِ منْ لا يقوى عليهِ ، وأنَّ
من لا يعرفُ قدرَ نفسهِ وقدرَ عدوّهِ فقاتلَ من لا يقوى عليهِ كانَ متهوّراً ،
وحملَ نفسهُ على حتفهَا . فليسَ أمامكَ سوى الاحتيالِ لهذا الأحمقِ الملعونِ
فقلتُ : قبلتُ أنْ أختارَ لكَ عضواً ، لكنْ ليسَ قبلَ أنْ أستوثقَ منْ دقّةِ رميكَ .
قال: أما زلتَ تشكُّ في مهارتي بعدَ كلِّ الذي رأيتَ؟؟!!..
قلت : الأمرُ الآنَ يتعلّقُ بروحي التي بينَ جنبيَّ يا صديقي..
قال : فأيَّ شيءٍ تريدُ أنْ أرميهُ حتى يطمئنَّ قلبكَ ؟؟ فأنا لا أخطئُ هدفي ولو كانَ مختبئًا
خلفَ زُحَل ، وضربَ صدرهُ بيدهِ مزهُوًّا بنفسهِ .
فقلتُ في نفسي: وقعتَ يا شوّاظُ ، وفاتكَ أن تعلمَ أنّ زلّةَ المتفوّقِ الغرورُ ، وأنَّ الغرورَ أخُ الحماقةِ من الرّضاعِ ..
ثمّ قلتُ لهُ : الشمسُ..وكانتِ الشمسُ قد توسطتْ كبدَ السماءِ .
فكانَ كلما حاولَ أنْ يُسدّدَ سهمهُ نحوهَا دمعتْ عيناهُ ولمْ يقوَ على تركيزِ نظرهِ
فيهَا ، فاستسلمَ وقال : أمنتَ يا جُويشعُ ، غلبتِ الحيلةُ الرميَ..غلبتِ الحيلةُ الرميَ..
فتركتهُ وانصرفتُ لحالي…
المراجع :
ـ العقد الفريد
ـ كليلة ودمنة ..بتصرف
يتبع…
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
التصنيفات : غير مصنف | دوّن الإدراج























فبراير 11th, 2012 at 9:27 ص
المدونه حلوه موووووت اتمنالك التوفيق
أبريل 2nd, 2012 at 9:16 ص
المدونه حلوه موووووت اتمنى لكم التوفيق ، ولكم مني أجمل تحية